نقش في الذاكرة

السبت,أيار 03, 2008


طوت المنون صحيفة عمره وهو في ريعان الشباب:

 

 282ima

 

 

 

 

13/02/2008 صدام الكمالي- نيوزيمن:

العنوان أعلاه عنوان كتاب «لرجا النقاش» تناول فيه حياة شاعرنا الشاب أبي القاسم الشابي، الذي لا يذكر الشعر التونسي في الأرض قاطبة إلا ويذكر معه «الشابي» الشاعر الذي أحب الحياة وتغنى بها فخذلته بقدر حبه لها، ومن منّا لا يحفظ بيتيه الشهيرين من قصيدته الرائعة «إرادة الحياة»:
إذا الشعبٌ يوماً أراد الحياة
فلا بد أن يستجيب القدر
ولا بد لليل أن ينجلي
ولا بد للقيد أن ينكسر
لتأتي هذه القصيدة دليلاً واضحاًً على مدى تأثر الشابي بالفيلسوف الألماني «نيتشه» الداعي لأن يكون الإنسان قوياً لا يُهزم ولأجل أن يكون جديراً بالحياة، لذلك نجد أن حب الحياة والطبيعة تغلب في شتى قصائده.

مولده ووفاته
في ليلة اليوم الثالث من صفر1327هـ الموافق 24 شباط «فبراير» من عام 1909م، ولد أبو القاسم الشابي في بيت فقير، في قرية الشابية التابعة لمدينة «توزر» الواقعة في جنوب تونس، ليصبح بيته بعد وفاته معهداً للتعليم الثانوي يحمل اسمه حتى الآن لينتقل بعد ذلك مع اسرته حين كان عمره سنة واحدة من بلد إلى آخر، تعرف على معظم البلدات التونسية وهو ما زال في سن مبكر، أدخله والده «الكتاب» ولم يتجاوز السنة الخامسة من عمره بعد، وحينما بلغ الثانية عشرة من عمره أي في العام 1920م، أرسله والده إلى جامعة الزيتونة والتي تخرج منها في العام 1928م حاصلاً على شهادة «التطويع»، ثم توجه بعد ذلك لدراسة الحقوق في مدرسة الحقوق التونسية، وقد تخرج منها بشهادة الحقوق والتي لم يسع بها ليكون موظفاً لقناعته بأنه لم يخلق ليكون موظفاً، وإنما لينطلق مع حرية الإبداع وعوالم الشعر المتأصلة لديه، فكان أديب تونس الأول وشاعرها.
انطلق أبو القاسم الشابي في أحضان الحياة والطبيعة يستنشق حريته من خلالها، ليجسد ذلك في إبداعاته الفريدة والمتعددة، ومثالاً لذلك يقول شاعرنا:
ليت لي أن أعيش في هذه الدنيا
سعيداً بوحدتي وانفرادي
اصرف العمر في الجبال وفي الغابات
بين الصنوبر المياد
ليس لي من شواغل العيش ما يصرف
نفسي عن استماع فؤادي
أرقب الموت والحياة وأصغي
لحديث الآزال والآباد
واغني مع البلابل في الغاب
أصغي إلى خرير الوادي
ونلاحظ في هذه الأبيات أن «الشابي» كان إحساس الموت يطارده طوال الوقت ومن ثم راح يرقبه ويجله في إبداعه وأبياته وقصائده وكان مرضه بداء «السل» والذي عانى منه طويلاً إلى أن وافته المنية في التاسع من تشرين الأول من عام 1932م.

الوطنية والثورة في شعر الشابي:
المتأمل في شعر «أبو القاسم الشابي» يجد بريق الوطنية وسحرها جلية وبهجمات نارية عاتية ومدمرة، لكنها كانت موجهة بشكل أكبر في الرجعية التي حبست أنفاس الشعب التونسي، طموح الشعب في التحرر، لذلك «دعا إلى أن تكون جذوة الحرية والإرادة وحب الحياة متقدة في صدور البشر» ومن أمثلة ذلك الكثير، ولعل أكثرها تحريضاً للمواطن التونسي ضد الرجعية والاحتلال، سطرها في قصيدته «يا ابن أمي» حيث يوجه الشاعر نداء لأخيه المواطن التونسي بقوله:
خلقت طليقاً كطيف النسيم
وحراً كنور الضحى في سماه
تغرد كالطير أين اندفعت
وتشدو بما شاء وحي الإله
وتمرح بين ورود الصباح
وتنعم بالنور أنّى تراه
وتمشي كما شئت بين المروج
وتقطف ورد الرُبى في رباه
كذا صاغك الله يا ابن الوجود
وألقتك في الكون هذه الحياة
فمالك ترضى بذل القيود
وتحني لمن كبلوك الجباه
حيث تزهو وطنيته بوضوح كبير
كذلك نلمس بغضه للمستعمر ومطالبة شعبه بالمقاومة حيث يجسدها في قصيدة» كلمات القصيد» بقوله:
ألا أيها الظالم المستبد
حبيب الظلام عدو الحياة
سخرت بأنات شعبٍ ضعيف
وكفك مخضوبة من دماه
وسرت تشوه سحر الوجود
وتبذر شوك الأسى في رباه
«الحياة» في شعر الشابي
طغت صورة الحياة وروعتها على شعر «أبو القاسم الشابي» بسبب تأثره بالفيلسوف الألماني «نيتشه»- كما ذكرنا سابقاً- حتى إن الديوان الوحيد الذي ألفه اسماه بـ «أغاني الحياة» والذي لم ينشر إلا في العام 1955م بعد وفاته، والكتاب الوحيد الذي نشر له في حياته هو «الخيال الشعري عند العرب» وهو عبارة عن محاضرة ألقاها في النادي الأدبي للجمعية الخلدونية عام 1929م، وكأنه في الحقيقة إنما يرثي نفسه إذ أصيب الشابي بدأ السل العضال، وظل يعاني منه بقية أيامه وسنواته المعدودة، حتى وافته المنية.
فالحياة كما يقول: «جميلة جداً وبالتالي تستحق أن تُعاش»
تجسدت صورة «الحياة» عند الشابي بعد وفاة والده من نفس العام الذي نشر فيه كتابه، الأمر الذي حمَّله أكبر من طاقته، فكونه أكبر إخوانه كان لا بد من أن يتحمل عبء الأسرة ومسؤوليتها وبالتالي رعاية أملاك والده، ليضطر بعد ذلك أن يتزوج في عام 1931م لينجب «ولدين» لذلك نرى بأن صورة «الحياة» عند الشابي مرت بمرحلتين وهما:
1ـ مرحلة ما قبل وفاة والده ومعرفته بمرضه، ففي هذه المرحلة كانت صورة «الحياة» عند الشابي «مشرقة ومتفائلة، وكان مشدوداً إليها، ونلمس صورة الحياة بجلاء لدى الشابي في تلك الأبيات التي يقول فيها:
كانت أرق من الزهور
ومن أغاريد الطيور
وألذ من سحر الصباح
في بسمة الطفل الفريد
قضيتها ومعي الحبيبة
لا رقيب ولا نذير
2ـ مرحلة ما بعد وفاة والده، ففي هذه المرحلة انقلبت صورة «الحياة» عند الشابي، رأساً على عقب، فلم يعد يرى الحياة إلا بلون اسود قاتم، ويغلب عليه التشاؤم وهو ما نلمسه بجلاء في تلك الأبيات التي يقول فيها:
قضيت أدوار الحياة، مفكراً
في الكائنات، معذباً مهموماً
فوجدت أعراس الوجود مأتماً
ووجدت فردوس الزمان جحيماً
وحفرت مائدة الحياة فلم أجد
إلا شراباً، آسناً، مسموماً
ولمست أوتار الدور، فلم تفض
إلا أنيناً دامياً، مكلوما
يتلو أقاصيص التعاسة والأسى
ويعيد أفراح الحياة هموماً

المرأة في شعر الشابي
لم يذكر «الشابي» المرأة بشكل في قصائده، فقد كانت أغلب قصائده تتحدث عن الوطنية والطبيعة والحياة، لكنه بعد وفاة والده ومعرفته بالمرض الذي استوطن «جسمه» لم يعد يرى في «الحياة» سوى «زوجته وحبيبته وأم أولاده» فيجسد ذلك قصيدته «تحت الغصون» حيث يقول بعاطفة قوية وحب عذب وشفاف.
أنت أشهى من الحياة وأبهى
من جمال الطبيعة الميمون
وألذ الحياة حين تغنين
فأصغي لصوتك المخزون
وأرى روحك الجميلة عطراً
ضائعاً في حلاوة التلحين
يتبين لنا مدى تأثر «الشابي» بوفاة «والده» وتحول حالته من «جمال الحياة التي عاش لأجلها» إلى اسوداد الحياة التي عاش نافراً منها».

الكآبة والتشاؤم في شعره
حسب رؤية كثير من النقاد العرب، فإن الشاعر أبو القاسم الشابي يغلب على شعره «الاكتئاب والتشاؤم» وخصوصاً بعد وفاة والده التي شكلت عائقاً كبيراً أمام استمراريته في التغني بالحياة والحب والسرور، لذلك نرى أن شعره بعد وفاة والده تحول عن التغني بالحياة والإقبال عليها إلى التحدث عن أوجاعها وآلامها ومآسيها، حيث يقول أحد الباحثين في شعر «الشابي» يلاحظ في شعر أبي القاسم الشابي «عامة» رفضه للحياة البشرية المظلمة والمزيفة، التي يصاب الإنسان فيها بالشقاء والبؤس، والسبب في ذلك مرتبط بوفاة والده، فيقول الشابي على لسانه «إنني في كثير من الأحيان تطغى على نفسي كآبة الملل المبهم فأنصرف عن الكتب والناس ويوصد قلبي عن جمال الوجود، ومن أشعاره التي تبين مدى تشاؤمه:
أنا كئيب
أنا غريب
كآبتي خالفت نظائرها
غريبة في عالم الحزن
كآبتي فكرة
مغردة مجهولة من مسامع الزمن
ويضيف في بيت آخر:
سئمت الحياة وما في الحياة

خاتمة
نجد أن شعر «الشابي» منبثق عن قوة إحساسه وبأنه أسلوب محسوس لأن الروح التي تسري فيه تسد عليه الطريق وتحاصره فلا يعرف تحديد موضع القوة، فلم يستطع التحرر من تلك الصفة التي أخذها الشعر العربي وهناك أمثلة كثيرة، فحين يصف الطبيعة فإنه يصفها وصف العاشق وينظر إليها بعاطفة رقيقة تنبعث من مشاركته لظواهرها والاندماج فيها، حتى إنه يصل في ذلك حد الموت الفاني في جمالها، وهنا ندرك مدى تركيب شعوره، كونه تذوقها بعمق إحساسه الذي يبعث من الطبيعة دفئاً وحناناً فيحرض الشعب التونسي بالنهوض إلى النور وترك حالة الظلام التي يعيشها فيقول في بعض أبياته:
أيها الشعب! ليتني كنت حطاباً فأهوي على الجذوع بفأسي
أنت روح غبية تكره النور وتقضي الدهور في ليل أمس
وختاماً فإن «الشابي» شاعر يستحق التقدير والاحترام، ففي الفترة القصيرة التي عاشها استطاع أن يوجد له مكاناً في ديوان الشعر العربي وبين رواده.
المصادر:
- الشعر العربي الحديث: د.حاتم الصكر.
- الشابي: د.عبداللطيف شرارة.
- الشابي وجبران: خليفة محمد التليمي.
- أبو القاسم الشابي: دار كرم بلا تاريخ.



في22,أيار,2008  -  07:48 صباحاً, مجهول كتبها ...

شكرا // ليك جدا